الإغتيال الثقافي للشعوب …

img

بقلم د/ محمد جاد الزغبي
فروق ضخمة وكثيرة توجد بين شعوب الشرق وبين شعوب الغرب , فالشرق الأقصي والأدنى والأوسط يختلف ثقافيا تماما عن الثقافة الأوربية والأمريكية , وهناك فارق مؤثر فى قصتهم معنا ومع شعوب شرق آسيا ألا وهو مسألة تصدير الثقافة فالشرق عموما وخاصة الشرق الإسلامى لا يلجأ للقوة القاهرة فى فرض قناعاته الثقافية ونظرته للحياة والأديان والأوطان والعادات والتقاليد ويكتفي بإبراز اعتزازه بثقافته وعلمه وعاداته ودينه , ويعود ذلك لسبب رئيسي مفتقد فى الغرب وهو شدة العاطفة التى تحكم شعوب الشرق نحو إنتماءاته الوطنية والثقافية , وفى فترة تألق الشرق علميا وثقافيا كانت الثقافة الشرقية تطغى على الغرب بفعل التأثير المعنوى والقوة الناعمة , بينما الغرب ــ على عكس كافة شعاراته المضحكة ـــ لجأ فى فترات قوته كلها منذ الحضارة الرومانية وحتى اليوم إلى القوة الباطشة لفرض ثقافته وعاداته وثوابته الثقافية على الشعوب التى قام بإحتلالها , وإن اختلف أسلوب القوة نفسه ..


فبينما فى عهد الرومان كانت القوة المستخدمة هى القوة الغاشمة بالتعذيب والقتل , لجأت بريطانيا وأمريكا تحديدا لأسلوب السيطرة الناعمة على مؤسسات التعليم والثقافة فى البلاد الخاضعة لسيطرتهم ولجئوا لغسيل المخ واغتيال ثقافات وتاريخ الشعوب فى نطاق الأجيال الجديدة , وعمل نقطة فصل هادمة بين الأجيال الجديدة وبين سابقيهم بحيث يخرج من داخل هذه الشعوب من يتبرأ من ثقافته وتاريخه ويعتبره سبة وعارا , وينتمى بكامل عاطفته لثقافة الغرب المعلبة وتاريخه المصنوع مع تجاهل تام لبشاعة التاريخ الغربي الحقيقي وممارساته التى تسببت فى إبادة أجناس ودول بأكملها من وجه الأرض
وكانت أكبر تجربة اغتيال ثقافي ناجحة قام بها الأمريكيون والبريطانيون هو ما فعلوه بالألمان واليابانيين بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية , فالبريطانيون والأمريكيون أدركوا أن تحطيم القوة العسكرية لألمانيا فى الحرب العالمية الأولى لم يفلح فى ردع الألمان عن إعادة تكوين أنفسهم بعد أقل من عشرين عاما ليعودوا فيحققوا الإنتقام من أوربا كلها , كذلك اليابان كان الهوس الإمبراطورى وإيمان الشعب به هو الدافع الرهيب للنهضة العسكرية .. فلجئوا مباشرة لدراسة أسباب هذا النهوض وكانت النتيجة تكمن فى الثوابت الثقافية لدى البلدين لهذا سيطروا على التعليم والثقافة سيطرة تامة لتصبح ألمانيا واليابان أشبه بولايتين أمريكيتين لا ينقصهما إلا العلم الأمريكى فقط , وبالطبع مزجوا هذا التغيير الثقافي بفتح مجال التقدم الإقتصادى ــ الإقتصادى فقط ــ أمام اليابان وألمانيا ونشطت أجهزتهم لنشر ثقافة التقدم التقنى ورفاهية معيشة السلام ــ كما أطلقوا عليها ـــ وفى المقابل تم تحجيم القوة العسكرية والصناعة السلاح وتحريمهما , فضلا على أهم عنصر وهو نشر ثقافة العداء لتاريخ البلدين فيما قبل الحرب العالمية لتخرج الأجيال الجديدة مؤمنة إيمانا كبيرا بأن أجدادهم كانوا هم أهل الشر والعدوان بينما أمريكا وبريطانيا هم أهل السلام والرفاهية وحقوق الإنسان وأن كلا من أمريكا وبريطانيا أنقذوا العالم من شرور هتلر والأمراطور هيروهيتو , !
والعجيب أن الثقافة المعلبة لم تنجح فقط فى هذا بل أصابت الأجيال الجديدة بعمى ألوان , فهم يشاهدون بأم أعينهم آثار وأفعال بريطانيا وأمريكا فى العالم ومدى الكوارث التى تسببوا فيها لكن هذا لم يغير من موقفهم شيئا ,
وغنى عن الذكر أن نفس الأسلوب تم اتباعه فى الشرق منذ بداية عهد الإحتلال البريطانى والفرنسي وصولا للإحتلال الأمريكى لكنهم مع بلادنا فى الشرق الأوسط لم يكونوا بحاجة لإستخدام ثقافة الرفاهية والتقدم , فقد اكتفوا بثقافة التناحر المريضة وثقافة الإستبداد التى تحكم أنظمة الحكم ليضمن الغرب بوقوع شعوب الشرق الأوسط بين مصيدتين كبيرتين , الاغتيال الثقافي مع الإغتيال الإقتصادى والسياسي وكلاهما تسبب فى تجريف آمال الإصلاح

الكاتب رامـــــي أحمــــــد

رامـــــي أحمــــــد

مواضيع متعلقة

اترك رداً

Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com